ابن ملقن

27

طبقات الأولياء

والتجربة قد زكت هذا ، وشواهد الحس فقد نزاع الخصم » . « على أن مراد اللّه من المؤمن هو التنزل ، لا الترفع ، والتواضع لا الكبر ، ولما لم يتحقق الوجود بهذا المعنى دامت فرقته ، وانقطعت مودته ، وصار كل واحد يقيم الحجة على خصمه ، ويلتمس العذر لنفسه ، وهو لا يشعر أن سبب القطيعة هو طلب الرفعة على الألفة وخليله » . والمحاسبي يسمى طلب الرفعة بطلب العز ، ويقول : « إنه مخرج حب الرئاسة والحياة ، ومنه الكبر والفخر والغضب والحقد والحمية ، والنفس عاشقة له وهو أحب إليها من أم واحد لواحدها » . وقد لا تسيغ النفوس في عصرنا الحاضر الدعوة إلى التنافس في غير الرفعة والعلو ، ولكن هذا هو الحق الذي لا حق غيره ، فهناك كثير من المعاني التي اصطلح الناس على احترامها ، وإنما هي الباطل المذموم شرعا ، ومن ذلك ما جاء في القرآن عن قوم قارون إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [ القصص : 79 ] هذه مرتبة أهل الرغبة ، وأهل التنافس في العلو في الدنيا ، ولذلك أنكرها أهل العلم فقالوا : وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ [ القصص : 80 ] . فأنكروا وصف الجهلة للدنيا بالعظمة ، ولأهلها بأنهم أصحاب حظ عظيم ، وقد أكد اللّه سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً [ القصص : 83 ] ويؤيد كذلك من القرآن قوله تعالى : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [ الأعراف : 189 ] . فليس هناك أكرم من نفس ، وإنما وقع التفريق في الانقياد إلى صف العبودية وعدمه ، وقد وصف اللّه تعالى المؤمن بأنه يذل لأخيه المؤمن ، أي يتواضع له ولا يعلو عليه : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] .